Saturday, June 27, 2009

ليت شعري

رفعت رأسي ووضعت الكتاب جانبا ولم أرفعه منذ ذلك الحين، كان كتابا رثا استعرته من أحد الأصدقاء منقذا إياه من مستقبل واعد في تجميع الغبار - رياضة تتميز بها كتب العرب دون سواها من أخواتها - غير مدرك حينها أن الكتاب العربي كبطل مأساة إغريقية لا يسعه تلافي قدره. مرت سنين منذ تلك اللحظة، لا أذكر الأحداث أو حتى أسماء الشخصيات لكنني أذكر المشهد الذي توقفت عنده عن القراءة، كان سؤالا وجه إلى البطل حول سعيه المحتوم والواعي نحو التدمير الذاتي... لم أكمل قراءة الفقرة وأعدت الكتاب إلى صاحبه بعد عدة أيام.

أعلم أن الرواية ما كانت لتجيب عن هذا السؤال لكنني لم أكن سأتحمل رؤية عواقب تصرف البطل، لم أكن مستعدا لمواجهة هذا السؤال. لماذا أمشي صاغرا في سبيل أعلم عاقبته ولا أحاول أن أتغير؟ لماذا أخشى المواجهة رغم أنها لا تخيف؟ ألا أعلم أن غالبية مشاكلي اليوم سببها تجنبي اتخاذ أي قرار... هل ترددي هو سبيلي الخاص لتدمير الذات؟ أم انه مجرد شعار لإسباغ بعض الشاعرية على جبني؟

حرت في الجواب فهل طرح السؤال بداية الخلاص؟

Thursday, June 11, 2009

هل من جديد تحت نور الشمس؟

بمناسبة انقشاع غمامة غبار المعارك الانتخابية واحتداد التوتر الطائفي أنشر النص التالي. هذه التدوينة (بما فيها الجمل القليلة من تأليفي) ليس عليها حقوق ملكية فكرية إذ أن النص ملك عام وانا أتخلي عن حقوقي على جملي غير المفيدة:
لكم لبنانكم و لي لبناني
لكم لبنانكم و معضلاته ولي لبناني و جماله
لكم لبنانكم بكل ما فيه من الأغراض و المنازع و لي لبناني بما فيه من الأحلام و الأماني
لكم لبنانكم فاقنعوا به ولي لبناني وأنا لا أقنع بغير المجرد المطلق
لبنانكم عقدة سياسية تحاول حلها الأيام و أما لبناني فتلول بهية و جلال نحو ازرقاق السماء
لبنانكم مشكلة دولية تتقاذفها الليالي و أما لبناني ف أودية هادئة سحرية تتموج في جنباتها رنات الأجراس و أغاني السواقي
لبنانكم صراع بين رجل جاء من المغرب و رجل جاء من الجنوب أما لبناني فصلاة مجنحة
لبنانكم حكومة ذات رؤوس لا عداد لها أما لبناني فجبل رهيب و ديع جالس بين البحر والسهول جلوس شاعر بين الأبدية والأبدية
لبنانكم حيلة يستخدمها الثعلب عندما يلتقي الضبع والضبع حين يجتمع بالثعلب و أما لبناني فتذكارات تعيد على مسمعي أهازيج الفتيات في
الليالي المقمرة و أغاني الصبايا بين البيادر و المعاصر
لبنانكم مربعات شطرنج بين رئيس دين و قائد جيش أما لبناني فمعبد أدخله بالروح عندما أمل النظر إلى وجه هذه المدينة
السائرة على الدواليب
لبنانكم رجلان: رجل يؤدي المكوس ورجل يقبضها، أمّا لبناني فرجل فرد متكئ على ساعده في ظلال الأرز وهو منصرف عن كلّ شيء سوى نور الله ونور الشمس
(...)
لبنانكم وفود ولجان، أما لبناني فمجالس حول المواقد في ليال تغمرها هيبة العواصف ويجلّلها طهر الثلوج
لبنانكم طوائف و أحزاب أما لبناني فصبية يتسلقون الضخور و يركضون مع الجداول ويقذفون الأكر في الساحات
(...)
لبنانكم كذب يحتجب وراء نقاب من الذكاء المستعار ورياء يختبئ في رداء التقليد و التصنع أما لبناني فحقيقة بسيطة عارية
إذا نظرت في حوض الماء ما رأت إلا وجهها
جبران - البدائع والطرائف

آه ما أشبه اليوم بالأمس، أتمنى لشعب لبنان العظيم أن يبني ذات يوم دولة حقيقية يكون لها انتماؤه وليبتعد عن "دولة الطوائف" هذه... فلعبة المحاصصة يخسر فيها الشعب كله ولا يربح منها سوى بعض الطبقات والأسر الإقطاعية التي تتوارث المناصب.

Saturday, June 6, 2009

في الشارع

هذا فيديو تم تصويره في القدس عشية خطاب أوباما في القاهرة.. غالبية الأشخاص هم يهود أمريكان إما قاموا بالهجرة إلى إسرائيل أو يقيمون هنا لسنة من خلال برامج تنظمها بعض المؤسسات الصهيونية لزيادة الصلة بين يهود الشتات وإسرائيل. الفيديو لا يحتاج إلى تعليق. تحذير يحوي الفيديو بعض الألفاظ النابية.




Thursday, June 4, 2009

خطاب أبو حسين

بعد أسابيع من الترقب والتحليلات في وسائل الإعلام شرفنا باراك هوسين أوباما بحضوره إلى جامعة القاهرة وإلقائه خطابا يخاطب به العالم المسلم بالأساس (وليس العالمين العربي والإسلامي). إليكم فيديو الخطاب (خصصوا 55 دقيقة من وقتكم لمشاهدة خطاب تتخلله هتافات تزيد عن الهتافات في خطابات عبد الناصر):




ولمن يرغب بالنص الكامل فإليكم النص الإنجليزي (الأصلي ) وأيضا للترجمة الرسمية المعدة مسبقا كما نشرتها وكالة الأنباء رويترز. الترجمة العربية لا تخلو من عيوب إذ أنها "تحرف" بعض التعابير هنا وهناك ليظهر بلغة عربية بليغة لكنها بعملها هذا تخرج عن كونها ترجمة لإنشاء أوباما (أو كاتب/كتاب خطابه) وتصبح إنشاءا جديدا للمترجم.. مثلا ترجمة too often بتعبير "بدون حق" الذي يفيد المعنى تقريبا لكنه ليس نفس المعنى تماما فالنص العربي يدين الأمر بشدة بينما يمكن فهم النص الإنجليزي أنه لو تم تنفيذ الأمر بوتيرة أقل لكان الأمر على ما يرام (أي بدلا من الإدانة المبدئية هنالك اعتقاد بأن الولايات المتحدة "زوّدتها" فالمشكلة مشكلة كمية وليست مبدئية)

إن أوباما (المسلم لكنه يخفي إسلامه تقية دون شك) والذي له أخوال في بير المكسور (لم ينكر متحدث البيت الأبيض هذا الادعاء، فلا بد من نار أصدرت هذا الدخان) يتكلم بلهجة جديدة وبلغة بليغة (على الأقل مقارنة ببوش) ونظرته التاريخية بالتأكيد أفضل من نظرة بوش الكاوبويوية لكننا لو أصغينا إلى كلامه لوجدنا أن الفروقات بين الإثنين أقل مما نظن.. . لم يدن أوباما العنف الإسرائيلي واكتفى باعترافه بمعاناة الفلسطينيين (مع إدانة عابرة للاحتلال) فإذن لا إدانة للحرب على غزة حتى ولو بشكل غير مباشر وبالمقابل أكد على العلاقة المميزة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. صحيح أنه طالب بإيقاف الاستيطان بلغة صريحة لكنه طالب الدول العربية بالتطبيع مع إسرائيل والحديث بصراحة عما "يقولونه خلف الأبواب المغلقة" عن رأيهم بإسرائيل... أي أنه يريد أن تتصرف الأنظمة العربية مع إسرائيل كما ترغب دون أن تبدي أي اعتبار لرأي شعوبها المعارض. لاحظوا أنه يطالب إسرائيل بالتوقف عن الاستيطان (عمل سلبي) بينما يطالب العرب بالهرولة نحو إسرائيل. يدين العنف المتطرف دون أن يأت بذكر العنف الإسرائيلي (كما تفعل المؤسسات الغربية "المستقلة" التي نتهمها بعد ذلك بالمساواة بين الضحية والجلاد أوباما لم يقم حتى بهذه).

بالنسبة للعراق وأفغانستان فهو يتعامل مع احتلال أفغانستان كأنه أمر مقبول على جميع سكان العالم متناسيا المظاهرات في الدول العربية والمسلمة التي نددت بهذه الحرب - وقد سمعنا هذا الادعاء كثيرا في السنة الأخيرة - ويعلن أن الولايات المتحدة لا ترغب بإبقاء قاعدة عسكرية في أفغانستان فهي ليست إمبراطورية بل قد ظهرت نتيجة صراعها مع إمبراطورية (البريطانية) يا للكلام المعسول... هل يقصد أنه سيأمر بانسحاب الجيش من مختلف قواعده في جزيرة العرب... طبعا لا...

لن أطيل حديثي وأحلل الخطاب من جميع جوانبه لسبب بسيط لا يهم ما قال أوباما فقد يغير كلامه غدا أو بعد غد وحتى لو لم يفعل ذلك فالامتحان الحقيقي هو بالتنفيذ... وبصراحة لا أرى حلا في الأفق.

ملاحظة أخيرة: رغم انتقادي للترجمة العربية الرسمية فأثناء البحث عن نص الترجمة وجدت في ويكي مصدر محاولة (غير مكتملة) لترجمة الخطاب... لا أعلم أهو غباؤهم أو جهلهم بوجود ترجمة رسمية أم موقف مبدئي من الترجمة... سوف أفحص الترجمة عند انتهائها (إذ تبدو لي أكثر التصاقا بمبدأ نقل إنشاء الخطاب الأصلي كما هو).

Friday, May 29, 2009

موجة الاحتواء

مذ تربع غوغل على عرش الإنترنت كلما ظهر موقع أو خدمة جديدة ادعى أحدهم أن هذا ما سيقضي على غوغل وبرأيي قلة هي المواقع التي شكلت تهديدا حقيقيا على غوغل. لكن فيسبوك وشعبيته المتزايدة ربما كان يشكل تهديدا على المدى البعيد. كنت أظن أن محاولة غوغل المساهمة في تطوير شبكة اجتماعية مفتوحة المصدر (إلى حد ما) هو ردها على فيسبوك لكن يبدو أنها عملت سرا على سلاح جديد. عرضت غوغل مؤخرا في مؤتمرها خدمة جديدة لا تزال قيد التطوير إنها google wave.
يمكنكم مشاهدة فيديو العرض:



مثل جميع خدمات غوغل تقريبا فإن هذه الخدمة مبينية بشكل جيد (بل ممتاز) وقد وضع مصمموها سلاسة الاستخدام في صلب تصميمها. لم تأتي غوغل بجديد فمكونات الخدمة موجودة من قبل (الشبكات الاجتماعية، ويكي، فليكر، بل حتى برنامج talk في أنظمة يونيكس) لكن دمج كل هذه ا المكونات و"طبخها" بأسلوبها المميز (مستغلة خواص الـHTML 5) هو ما يعطي الخدمة نكهتها الخاصة.

كلمة حول فيسبوك، أعتبر هذه الخدمة خطوة بالغة الذكاء إذ بدلا من محاولة التنافس مع فيسبوك في ملعب فيسبوك البيتي قامت غوغل بتطوير هذه الخدمة التي قد تمكن (في حالة وافق فيسبوك على دعمها) المرء من استخدام فيسبوك عن طريقها ولذا سيتم تحييد مخاطر فيسبوك. لا أظن أن هذه الخدمة ستقضي على فيسبوك لكن تقوم باحتواء مخاطره على مصالح غوغل التجارية. كما أنها ستقلل من أهمية الانتماء إلى شبكة اجتماعية محددة لأنها تمكن التواصل بين مستخدمي عدة شبكات مختلفة. هنالك احتمال أن ترفض فيسبوك (أو غيرها) أن توفر دعما لغوغل ويف ولكنها عندها ستخاطر بفقدان جاذبيتها.

قررت غوغل جعل هذه التكنولوجيا مفتوحة المصدر مما سيساهم في عملية التطوير وسيؤدي (حسب رأيي الشخصي) إلى تطوير تطبيقات لم تخطر على بال مصممي الخدمة. كذا هي المصادر المفتوحة. المؤكد أننا لن نملّ.

ملحوظة: لست متأكدا من ترخيص الفيديو لكن يبدو لي أنه حقوقه محفوظة لغوغل (بعكس ترخيص نص المدونة الحر).

Friday, May 15, 2009

عطش

قبل فترة وجيزة اكتشفت مدونة حياة في السينما التي يحررها أمير العمري، المدونة عبارة عن "كتابات شخصية حرة عن السينما في الحياة، والحياة في السينما" ورغم أنني لم أكن مطلعا على كتابات أمير العمري سابقا (وهو ناقد سينمائي) إلا أن آراءه أعجبتني وقد أصبحت من متابعيها. في أول أيار نشرت في "حياة في السينما" تدوينة بعنوان "فيلم "العطش": سينما جميلة ولكن بدون روح" يقوم فيه بانتقاد فيلم عطش (وليس العطش) باكورة أفلام توفيق أبو وائل الروائية الطويلة. لم أوافق المؤلف في تحليله للفيلم وقمت بكتابة رد مقتضب في التعقيبات وقام بالرد علي هناك موضحا بعض الأمور لكنني لا أزال أخالفه الرأي وسأكتب هنا قراءتي الخاصة للفيلم. أرجو من القراء الأعزاء (إن وجدوا) أن يطلعوا على تدوينة العمري وعلى ردي عليه.

لست ناقدا سينمائيا بل مجرد مشاهد عادي لكن قراءتي لفيلم عطش مختلفة جدا عن نقدك له. يهدف الفيلم إلى نقد المجتمع البطريركي فبسبب هذا المجتمع البطريركي يتم التعامل مع المرأة كعورة وبسببه تحدث جرائم "الشرف" (بالإضافة إلى مواضيع أخرى مثل العلاقة الملتبسة بين الأب وابنته الخ...) وقصة الفيلم أنه بسبب إشاعة عن علاقة عاطفية بين جميلة وأحد الشبان يجب على أبو شكري أن يقتلها "لتطهير" "شرف" العائلة ويقوم باقتناء مسدس لتنفيذ الجريمة لكنه عند مواجهته ابنته لا يقوى على قتلها بسبب حبه لها ومن ناحية أخرى فإنه لا يستطيع مواجهة أهل القرية فينأى بعائلته إلى بقعة صادرتها دولة إسرائيل من أهل أم الفحم وبنت فيها مبان خرسانية لتدريب الجيش ثم هجرتها لاحقا... وقد اعتاشت العائلة من بيع الفحم الذي صنعوه من خشب الأشجار التي اقتطعوها من حرج قريب (ومثل هذه الأحراج قام بزراعتها الصندوق القومي اليهودي وفي أحيان كثيرة على أراضي قرى مهجرة). وفي هذه "المملكة" كان الأب هو الآمر الناهي دون أي تحدّ لسلطته. صنع الفحم يحتاج إلى ماء لإطفاء النار مما يجبر العائلة على جلبه من عين ماء محملا على حمار (كما كان الأمر قبل قرن ونيف). في بداية الفيلم يحاول شكري (ابن أبو شكري الوحيد) التهرب من هذه المسؤولية والذهاب إلى المدرسة بدلا من ذلك (وهي برأيي تدل على رغبته بحياة طبيعية وتعد بادرة من بوادر تمرده على سلطة الأب). يقرر الأب بعد هذه الحادثة أن يقوم بربط مكان عيشهم بالمياه الجارية مما يسهل من حياة العائلة لكنه أيضا يسبب سلسلة من الأحداث التي تنتهي بقتل شكري لأباه واستلام مكانه ومعاملته لباقي نساء العائلة بنفس أسلوب أبو شكري.

الفيلم إذن ينتقد بنية المجتمع البطريركي التي لها بعض المسؤولية بآفات المجتمع العربي وحتى بعض تمرد الجيل الجديد فقد تبنى الإبن نفس أساليب الأب وبقيت العائلة تعيش في منفاها القسري/الخياري بسبب ضعف الأب/الإبن وعدم قدرتهما على مواجهة المجتمع. لدينا العديد من الكتابات حول المجتمع البطريركي في الأدبيات النسوية (العربية والعالمية) ولعل أشهر من كتب عنه عربيا هو هشام شرابي. وهذه البنية ليست محصورة بالمجتمع العربي/الشرقي/المسلم لكن حضورها فيه قد يكون أشد طغيانا من المجتمع الغربي الذي كان للحركة النسوية فيه نجاحات أكبر (نسبيا، فلا زالت حقوق المرأة مهضومة حيثما وجدت).

كنت قد تطرقت في تعقيبي على تدوينتك حول الإشارات إلى الوجود الإسرائيلي في الفيلم وقد قمت ببحث سريع في الإنترنت ووجدت بعض الكتابات حول هذا الفيلم كتبها نقاد إسرائيليون وقد انتبهوا أيضا إلى نفس الأمور التي أشرت إليها وانتبهوا إلى أمور غفلت عن عيني (لم أقرأ هذه التحليلات من قبل بل كان ما ذكرت من تحليلي الخاص ولك أن تصدقني أو لا). سأورد ترجمة لبعض المقاطع:

يقول أوري برايتمان: "رغم أنه في الفيلم كله لا نرى أي جندي إسرائيلي، فإن الجيش حاضر-غائب[١] بواسطة صمامات أمان القنابل اليدوية التي جمعتها البنت الصغرى فأضحت آلة موسيقية، عن طريق الأطلال الرمادية وأغلفة الرصاص التي تشكل آثار بنادق جيش الدفاع الإسرائيلي. لا وجود لشرطة، موظفين أو إسرائيليين يهود بالمرة. الدورية الخضراء[٢]، التي عليها حماية الغابات المحمية من قطع الأشجار، لم تكن حاضرة عندما قام ولي الأسرة بمخالفة القانون. يبدو وكأن دولة إسرائيل غير مكترثة بجودة حياة العائلة الفلسطينية المعروضة أمامنا في "عطش"."

أما الناقد متان أهروني فيعيد ذكر الرموز التي ذكرها برايتمان قائلا:"إسرائيل واليهود غير مذكورين في الفيلم بشكل واضح، لكن لهم كيان وحضور رمزي: يظهرون بانهم بنوا أبنية (بيوت مخصصة للتدريبات العسكرية، التي تمثل العنف العسكري) على أراض عربية - كما يدعي الأب أن مكان التدريبات المبني من الخرسانة، التي تعيش فيه العائلة، يقع على أراضي أبائه ولكننا نكتشف أن الأراضي صودرت قبل ٥٠ عاما. عنف اليهود ممثل في صمامات أمان القنابل اليدوية ورصاصات البنادق، التي تستعملها البنت لإنتاج الموسيقى (بدلا عن العنف اليهودي-الصهيوني)، في النقود الإسرائيلية التي يستعملها الأب (لكي يحافظ على البقاء في المكان النائي بواسطة شراء مواسير المياه)، في "الدوريات الخضراء"، التي تستطيع منع رزق العائلة، إن قبضت عليهم، وهي تمثل الجيش بشكل واضح" ولكنه يضيف بتحليله لمغزاه:
"في الفيلم العائلة تمثل العرب الإسرائيليون كلهم، الذين أصبحوا بحسب الفيلم (كما أفهمه) منبوذين ونائين عن بقية العرب حولهم، الدول العربية المجاورة لنا، غير المستعدة لقبولهم ومساعدتهم".

ويقول أيضا:
"برأيي الفيلم ثوري ضد اليهود. إنه يقوم بذلك بصورة رمزية، مثل الأفلام الإيرانية التي في ظل الرقابة تعرض الأمور عن طريق الأمثال مثل استخدام الأطفال والمواضيع الكونية التي يتم تفسيرها من قبل من يتوجه إليهم الفيلم كمواضيع ثورية ومضادة للمؤسسة. كذلك الأمر في هذا الفيلم فإن الانتقاد السياسي والقومي يختبئ خوفا من الرقابة، بسبب كون الفيلم مدعوما من هيئات يهودية، التي تمنع سياستها الدعوة إلى العنف ضد الدولة"

برأيي فالناقد الأخير يبالغ في تفسيره للفيلم وفحواه القومي كما أتحفظ على استخدامه لمصطلح يهود بدلا من صهاينة/السلطة الإسرائيلية. الفيلم برأيي يدعو إلى تغيير بنية المجتمع العربي ويراها شرطا للخروج من وضع الجمود. الفيلم يرمز لظلم المؤسسة الإسرائيلية لكنه انتقاده الخفي لا يخرج عن دائرة المواطنة فهو لا يتحدث عن القضية الفلسطينية ككل بل عن حالة خاصة هي حالة عرب الداخل.

خلاصة: لا أظن وجود خلاف على موهبة المخرج أو الجمال السينمائي ولكنني لي رأي في فحوى الفيلم ومغزاه يختلف عن رأيك.

توضيح لا بد منه
أرى نفسي مضطرا لإضافة هذا التوضيح بعد قراءتي للنص الذي كتبت لتوّي كي أوضح للقارئ بعض الأمور ومنعا من حدوث سوء فهم لرأيي.
أولا، أنا أحترم رأي الناقد أمير العمري وأتفق معه في العديد من طروحاته وإن كنت أختلف معه برأيه لهذا الفيلم بالذات.
ثانيا، أوافق رأيه بوجود العديد من الأفلام المصطنعة التي تلقى إعجاب النقاد الغربيون وقد تنجح في المهرجانات الدولية بسبب جماليتها رغم فحواها الأجوف لكنني لا أرى أن عطش هو أحدها.
ثالثا، برأيي ينبع عدم تقدير العمري للفيلم إلى فهمه الخاطئ لرموزه الذي ينبع من عدم معرفته للوضع الخاص بعرب الداخل (لا أستطيع قراءة الأفكار لكن هذا ما يبدو لي من كتابته) إذ أن تفكيك معاني الرموز يحتاج إلى الإحاطة بظروفهم المعيشية وإدراك المعاني الرمزية لأمور قد تحمل معنى مغايرا في مجتمعات اخرى (مثلا الأحراج وما ترمز إليه من محاولة الحركة الصهيونية إخفاء آثار القرى المهجرة ومحاولتهم أوربة طبيعة البلاد من خلال زرعهم الصنوبر والسرو والكينا - الذي لم يكن منتشرا في فلسطين قبل ذلك-) كما عليه أن يذكر أن الأقلية الفلسطينية الباقية داخل الخط الأخضر حصلت على الجنسية الإسرائيلية ومنذ إلغاء الحكم العسكري في منتصف الستينات لا تعاني من التوغلات العسكرية او منع التجول (وما إلى ذلك مما يعاني منه إخواننا في الضفة الغربية وغزة) لكنها تعاني من التمييز ومصادرة الأراضي إلخ... فخروج أبو شكري من بلده لا يرمز مثلا إلى اللجوء الفلسطيني بل برأيي هو مجرد "خدعة" من المخرج لخلق العالم المنعزل الذي هو رمزي إلى درجة كبيرة ولا يخلو من دلالات على الظلم الإسرائيلي (بالإضافة إلى كونه إشارة إلى ضعف الأب/البطريرك الذي لا يستطيع مواجهة المجتمع). وقد أوردت تحليلا لناقدين إسرائيليين مختلفين (قرأت تحليلهم اليوم لأول مرة) لأبين
انني لست الوحيد الذي خرج بمثل هذا التفسير وأنا لم أحتج للتنقيب عن مقالاتهم فقد كانوا في الأماكن الأولى في غوغل عندما بحثت عن عطش بالعبرية.

أختتم توضيحي بتوجيهي تحية لكل من يسبح ضد التيار بحثا عن الصدق الذاتي، علينا ان نتحلى بروح نقدية وألا نتحول إلى ببغاوات تردد ما تسمعه... ورغم خلافي بالرأي مع العمري إلا أنني أحترم تمسكه برأيه وعدم الانجراف وراء التيار السائد. ردي هنا كان مقتضبا ولم يتحرى جميع الرموز في الفيلم وقد أكتب عن ذلك في فرصة أخرى.

الهوامش

[١]
مصطلح الحاضرون الغائبون يستخدم عادة للدلالة على اللاجئين الفلسطينيين الذين تسللوا عائدين إلى دولة إسرائيل لكن الدولة كانت قد صادرت أملاكهم ومنعتهم من العودة إلى قراهم بادعاء أنهم لم يتواجدوا أثناء الإحصاء السكاني الأول (وذلك بعد أن تم سن قوانين تتيح مصادرة أملاك "الغائبين") فهم رغم حضورهم غائبون بحسب القانون الإسرائيلي.
[٢]
هي دوريات تابعة لسلطة حماية البيئة تهدف منع "انتهاك حرمة" المحميات الطبيعية. نجدر الإشارة أن العديد من مواقع القرى المهجرة زرعت فيها أشجار الصنوبر وأعلنت مناطق خضراء محمية.